كلمة المدير العام


 

كلما دعت مقتضيات العمل لزيارة السيد رئيس الجامعة، استقبلني مدير مكتبه بوجهه البشوش الطلق وابتسامته الرائعة مرحبا، ثم ما يلبث أن يرفع سماعة الهاتف مخاطبا الرئيس قائلا: ” مدير الطاقات المتجددة”، حتى اذا نطق بالطاقات المتجددة اتسعت ابتسامته حتى لتكاد تغدو قهقهة!! ثم يقول بانشراح ظاهر: تفضل.. وهكذا يتكرر هذا المشهد، وفي كل مرة أتسأل في نفسي ما الذي يفهمه هذا الرجل الطيب دمث الخلق من هذه الكلمات حتى يتملكه ذاك الشعور بالضحك ؟!!

بعد عدة أسابيع التقيت بأحد الأقارب فبادرني قائلا: سمعت أنك كلفت بمهمة لها علاقة بالشباب في الجامعة، ثم رفع يديه كمن يستعرض عضلاته في إشارة إلى القوة أو الطاقة أو ربما الرياضة !!! سادت لحظات من الصمت حاولت فيها فهم ما يقول، ثم ما لبثت أن انفجرت ضاحكا عندما تبين لي أنه فهم – ربما كالكثيرين غيره – أن المقصود بالطاقات المتجددة هي طاقة الشباب وأن المركز ما هو إلا ناد رياضي ربما. عندها زال العجب من السلوك الطريف للسيد مدير المكتب الذي أخاله يقول في نفسه: ” ليت شعري كيف لمثل هذا أن يهتم بالشباب والرياضة !”. من أجل ذلك، حري بنا أن نتفق على المفهوم الذي نحن بصدده لنتحسس معالمه قبل أن نبحر في غياباته، فالطاقات المتجددة مصطلح إيجابي ينتشي الإنسان لسماعه وإن لم يدرك تماما معناه. بل هل ندرك حقا ما هي الطاقة؟ قبل الحديث عن المتجدد منها !

الطاقة مصطلح يستخدم في حياتنا اليومية وعلى جميع الأصعدة، وكلٌ يعني به ما يعني دون أن يُسأل عن كنهه. والطاقة بالمعنى الفيزيائي الذي نقصده هنا، لها كمية وجودة ويمكن تحسسها وقياسها واستنبطت القوانين التي تضبطها،  ولكن مع كل ذلك .. لا يعلم كنهها إلا الله ! وأمثلنا طريقة سيذكر لك تعريف السيد ماكس بلانك الذي يذكر فيه أن الطاقة “هي قدرة النظام على إحداث تغيرات خارجية” أي بمعنى القدرة على بذل شغل !! وهو تعريف لا يزيد الأمر إلا تعقيدا في سياقنا هذا، ولعله من الأجدى ترك ملاحقة التفاصيل ولندندن حول المفهوم ليتضح المصطلح في السياق الذي نعنيه.

النفط الخام – على سبيل المثال – هو مصدر طاقة أولية، يحوي طاقة كيميائية يمكن تحويلها إلى طاقة حرارية بحرقه، ويمكن تحويل الأخيرة إلى طاقة ميكانيكية باستخدام المحركات الحرارية (كمحرك السيارة مثلا). المحركات الحرارية يمكنها أن تدير مولدات لإنتاج الطاقة الكهربائية كما هو الحال في محطات الكهرباء. الطاقة الكهربائية في هذه الحالة تسمى الطاقة النهائية وهي الصورة التى تصل المستهلك الذي يمكن أن يحولها لما يسمى بالطاقة الفعالة مثل: الإضاءة والتدفئة والقوة المحركة للآلات … الخ. خلاصة القول أن للطاقة صور مختلفة ويمكن أن تتحول من صورة إلى أخرى لكنها لا تفنى ولا تستحدث، وهذا ما ينص عليه القانون الأول للديناميكا الحرارية أو ما يعرف بقانون بقاء الطاقة الذي لعل أغلبنا قد درسه في مرحلة مبكرة من السلم التعليمي. ولكن هذا لا يعني أن قيمة الكهرباء المتحصل عليها في الصورة النهائية، مساوية لقيمة الطاقة الكميائية في الصورة الأولية، بل في حقيقة الأمر قد لا تزيد نسبة الطاقة النهائية إلى الطاقة الأولية عن الثلث في المتوسط وهذا ما يعرف بكفاءة التحويل. الفرق بين القيمتين هو طاقة مفقودة لا يمكن استرجاعها، وهذا لا يعني فناء الطاقة وإنما تحولها إلى صورة منخفضة الجودة غير قابلة للاستخدام ولا يمكن الاستفادة منها.

ولكن إذا كانت الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، فكيف يمكن أن تكون متجددة ؟!! وهذه أحجية أخرى تتطلب تفسيراً ! فكما أن مصطلح الطاقة مألوف لنا تماما ومع ذلك لا نعرف ماهيتها، فإن مصطلح الطاقة المتجددة يبدو لنا معبرا جدا لمقصوده ولكنه في نفس الوقت لايبدو كذلك في الحقيقة الأمر!  لعل المقصود هنا هو تكرار الظواهر المرتبطة بتلك الطاقات، فشروق الشمس يتلوه الغروب، وما تلبث أن تشرق على البسيطة من جديد، والرياح ديدنها الهبوب، إن تسكن فلتعيد الكَرّة من جديد، وأمواج البحر ما تفتأ تلثم رمال الشاطئ وتعيد .. وهكذا ما دامت الحياة على الأرض، وحيث أن هذه الظواهر هي مصدر هائل للطاقة ترافقها في كل دورة، فقد ارتبط اسم التجدد بها مجازا. أما إذا أردنا أن نعرّف الطاقات المتجددة بشكل أدق؛ فيمكن القول أنها مصادر الطاقة التي لا تنضب في الأفق الزمني للبشرية، وهي على اختلاف أنواعها ترجع في المجمل إلى ثلاثة مصادر أساسية وهي : الطاقة الشمسية، الطاقة الكوكبية أو الجاذبية  (planetary energy) ، والطاقة الجيوحرارية. ولسنا هنا بصدد التفصيل في الموضوع، وسيجد القارئ المهتم ضالته في حنايا هذا الموقع والمدونة المصاحبة أو على صفحات المجلة التي نأمل أن ترى النور قريبا إن شاء الله تعالى.

ألا وقد انجلى الغموض من حيث المصطلح، فاعلم أن الطاقات المتجددة تشهد اهتماما عالميا منذ عقود وإن كان هذا الاهتمام ازداد بتسارع كبير خلال السنوات الأخيرة؛ فمع الطلب المحموم على الطاقة عالمياً صار نضوب المصادر التقليدية للطاقة والتلوث الذي يصاحب استهلاكها يقضّان مضجع البشرية. وبطبيعة الحال البديل المطلوب ينبغي أن يكون غير ناضب وآمن للبيئة، وهذا لا يتأتى حالياً إلا في مصادر الطاقات المتجددة.

تكتسب الطاقات المتجددة أهمية خاصة في ليبيا، فالنفط هو مصدر الدخل الوحيد تقريبا حتى الآن، وحرق النفط لتأمين امدادات الطاقة يعني فقدان كميات هائلة من الثروة القومية بالإمكان توفيرها إذا ما استخدمت الطاقات المتجددة في سد قدر من احتياجات الطاقة. بل إن وجود النفط حاليا هو فرصة ذهبية للاستثمار في الطاقات المتجددة لتغدو مصدرا بديلا للدخل للأجيال القادمة. إن البحث والتطوير والاستثمار في مجال الطاقات المتجددة ليس ترفا علميا ولا دعاية اعلامية عابرة، بل هو حاجة ملحة وسباق مع الزمن، فدول العالم تتنافس اليوم لاكتساب هذه التقنيات التي تتعقد يوما بعد يوم، وكل يوم يمضي يباعدنا عن الركب مسافات وتهدر ثروتنا النفطية بغير جديد آت وتضمحل بذلك فرص النجاة. ولاستشعار حجم المشكلة، سنضرب مثلا بمحطة مصراتة المزدوجة والتي تستهلك ما يقرب من 2.5 مليون لتر من الوقود يوميا؛ أي نحو ثمانين شاحنة وقود، تقوم المحطة بتحويل 40% فقط منها إلى كهرباء في أحسن الظروف، والباقي (48 شاحنة) يضيع هباءً منثوراً ويلوث البيئة بنحو 6.5 مليون كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون يوميا ! كان بالإمكان تلافي هذا الهدر والتلوث، إذا تم الاستثمار في تركيب محطة بمساحة نحو 700 هكتار من الخلايا الشمسية أو توزيعها على أسطح المنازل والمباني الحكومية.

نظريًا يمكن للطاقات المتجددة تغطية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة دون مشاكل، ولكن هذا لا يعني أن الانتقال من الوضع القائم إلى الوضع الجديد سيتم بلا مشاكل.. فالأمر يتطلب الكثير من جهود البحث والتطوير وتجديد البنى التحتية لتناسب التقنيات الجديدة، وهذا ما تسعى فيه المختبرات العالمية ومراكز البحوث والشركات العاملة في المجال بخطى حثيثة من خلال التعاون المشترك والتكامل البنّاء والخطط الجادة. وعلى النقيض من ذلك تأتي الكثير من جهود البحث والتطوير في بلداننا فردية مشتتة، دون أولويات تنظمها ولا دعم يذكر في عمومها. هدفها الأساس هو تحقيق متطلبات الترقية العلمية لصاحبها. ولرب بحث لا يمت إلى واقعنا بصلة، ولرب بحث حديث عفى عنه الزمن، ولرب بحث محكّم أقرب إلى مقالة ثقافية.. وتدور عجلة الأيام ولا تحقق أبحاثنا خلا مزيدا من الأسطر في سيرنا الذاتية… فهل إلى خروج من سبيل؟

إن أول خطوة نخطوها على هذه الطريق، أن ندرك مدى جهلنا، وأن نحدد حقيقة ما نريد، وأن نخترق سديم المظاهر وزبد الجهل المقنع، لنصل إلى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض. ولذا فإننا في مركز الطاقات المتجددة نرى سبيل الخروج في خمسة جسور لا مناص من مدها فوق الهوة السحيقة التي تفصلنا عن الركب، وسنعمل بعون الله ومشيئته على تحقيقها؛ تتمثل تلك الجسور في ما يلي:

  • بناء الكوادر العلمية القادرة على خوض غمار البحث علمي الجاد والدخول في شراكة مع الآخر لتطويع التقنية للبيئة المحلية وتوطين خبرة حقيقية في المجال.
  • وضع لوائح وآليات ديناميكية سلسة ومحكمة، تمنح الحوافز وتحدد الأولويات وتدعم البحوث الجادة وتكبح الفساد.
  • بناء ورش ومختبرات قادرة على تحويل الافكار الإبداعية إلى واقع والتحقق من أدائها وفق أحدث المواصفات.
  • تأسيس حقول تجريبية لتطبيقات موسعة، تكون قادرة على جذب الاستثمارات العلمية والتواصل مع الشركات العاملة في المجال.
  • التكامل مع المؤسسات المحلية ذات العلاقة، والتعاون المشترك مع المختبرات الدولية المتقدمة بالخصوص.

والآن أيها القارئ الكريم، إن اتسع صدرك وقرأت هذه الكلمة حتى بلغت هذه الأسطر الختامية، فاعلم أنك أنت من نعول عليه ونمد أيدينا إليه، وندعوك إلى الانضمام إلى قاعدة بيانات المركز بالرجوع إلى الصفحة الرئيسة، حتى إذا بلغت منتهاها فلتلج إلى “انظم إلينا” ولنحقق الحلم معاً بإذن الله. فقد كان المركز يومًا فكرة تختمر في العقول، وطيف يتراءى كالسراب يظهر حينا ويزول، ثم تخلّق في رحم المعاناة وخرج إلى الوجود في أناة، وسيُنشز بنيانه – بعون الله- ويبلغ عنان السماء، فلا تبخل عليه بعلمك وخبرتك إن كنت من ذوي الاختصاص، ولا تبخل على أمتك ببناء نفسك إن وجدت في نفسك القدرة على العطاء في هذا السبيل، ولا تبخل بالوقوف معنا في خندق التحديات إن لم تكن من هؤلاء ولا هؤلاء. ولنقدح معا زناد الارادة ونضيء مصباح العلم لتشرق مشكاة الوطن وتشرئب أعناقنا نحو مستقبل رشيد.